السيد محمد باقر الصدر
405
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
ولم يكن بالإمكان أن يُقضى على هذا الشكّ المرير المستعصي إلّا بأن ينحسر عليٌّ عن المعركة ، و [ ينحسر ] خطُّ عليٍّ عن المعركة ، ثمّ تنكشف أطروحة معاوية وأهداف معاوية . بعد هذا يرى المسلمون بامّ أعينهم - هؤلاء الذين كانوا يعيشون الحسّ أكثر ممّا يعيشون العقل ، يعيشون عيونهم أكثر ممّا يعيشون عقولهم « 1 » - يرون بعيونهم أنّ المعركة التي كان يقودها الإمامُ عليٌّ مع معاوية هي معركة الإسلام مع الجاهليّة ، لا معركة شخصٍ مع شخص ، ولا مصلحة مع مصلحة ، ولا عشيرة مع عشيرة ، كان لا بدّ - في منطق التجربة - من أن يُحارَب هذا الشكُّ ثمّ تُستأنف التجربة . ولم يكن بالإمكان - وليس بالإمكان اليوم ، وليس بالإمكان في أيّ يوم - أن تنجح تجربة رساليّة يقودها قائدٌ يحمل بيده رسالةً هي أكبر من وجودات الأشخاص وأكبر من مصالحهم الخاصّة ، ما لم يكسب مسبقاً الاقتناعَ بصحّة هذه الرسالة وبأهدافها وبضرورتها ، ولم يكن بإمكان التجربة السياسيّة وقتئذٍ - وهي مواصِلةٌ وجودَها في المعركة - أن تكسب هذا الاقتناع . هذا الاقتناع الذي لم يستطع الإمام عليٌّ أن يكسبه ولم يستطع أن يحول دون فقدانه بالتدريج ، لم يستطع الإمام الحسن ( عليه الصلاة والسلام ) أن يكسبه ، أو أن يحول دون تفاقم فقدانه بالتدريج ، ولهذا كان من الضروري أن ينحسر ظلُّ الإمام عليٍّ عن ميدان الحكم لكي تتكشّف اطروحه معاوية ، وبعد ذلك يعرف المسلمون أنّ هذه الأطروحة التي جاهد في سبيلها عليٌّ هي أطروحة وجودهم وعقيدتهم ورسالتهم ومصالحهم الحقيقيّة غير المنظورة لهم ، وعندئذٍ يكون بالإمكان استئناف العمل من جديدٍ
--> ( 1 ) وهذا مُقتضى طبيعة البشر كما تقدّم منه ( قدّس سرّه ) في المحاضرة الأولى من هذا الكتاب .